أخبار

يجب إلغاء عقوبة الإعدام

أيار 6, 2012
غسان عبد القادر
 .2012-05-06
 
على الرغم من أن لبنان لم ينفذ عقوبة الإعدام ضد أي محكوم منذ العام 2004 حتى هذه اللحظة، لكن قانون العقوبات اللبناني ما زال يضع هذه العقوبة ضمن بنوده كسيف مسلط على رقاب عدد من المحكوم عليهم بموجب جرائم منها القتل العمد بحق عسكريين ومدنيين، الى الخيانة العظمى والتعامل مع العدو. وإذا كانت 139 دولة في العالم ألغت عقوبة الإعدام، فإن الجمهورية اللبنانية مازالت من ضمن مجموعة 58 دولة التي تصرّ على التمسك بهذه العقوبة وعلى رأسها الصين الشعبية وايران.

وفي هذا الإطار، أقيم في بيروت خلال الأيام الثلاث الماضية ورشة عمل أقليمية معمقة وموسعة تحت عنوان "دور القضاة والمدعين العامين والمحامين في الحد من تطبيق عقوبة الإعدام في الدول العربية" هدفها حث القائمين على تطبيق العدالة على النظر والحد من هذه العقوبة، مع التمهيد لاحقاً لإلغائها. وقد ظهر ذلك جلياً عبر التوصيات التي أقرتها الورشة وأهمها ضرورة التشديد على الصلح والقبول بالدية من قبل أهل المجني عليه بالإضافة الى التفتيش عن عقوبات بديلة رادعة.

موقع "14 آذار" الإلكتروني كان له جولة على الحضور من المشاركين في الورشة.

الأب هادي العيا- لبناني (رئيس ومؤسس جمعية عدل ورحمة - بيروت) صرّح لموقعنا قائلاً: "بصفتي انسان ورجل دين مسيحي وناشط حقوقي أنا كلّي إيمان أنّ الإنسان هو كائن قابل للإصلاح قابل للتطور الفكري والنمو الذهني الذي لا يتوقف فعلى سبيل المثال من يرتكب جرماً الآن لا يبقى المجرم ذاته بعد 10 سنوات".

وانطلاقاً من هذه الرؤية أصرّ على أن كرامة الإنسان تفوق أعماله حتى تلك الأعمال المسيئة والمضرة بالمجتمع وبمن حوله. من هنا فإن الإعدام بالنسبة إليه, هو اهانة للكرامة الإنسانية وانتهاك لحرمة النفس المقدسة ويصنف كذلك على أنه ضرب من ضروب التعذيب, وقال: "حكم الإعدام أراه فشل لدور الدولة في القيام بوظيفتها الإجتماعية والإقتصادية تجاه الشخص المرتكب للجرم والذي فشل أيضاً بلعب دوره السليم في مجتمعه. ونطرح هنا سؤال: هل إذا وصل المجرم الى درجة هستيرية فقد فيها عقله ورشده وارتكب جرماً ما، فهل على الدولة أن تفقد أيضاً رشدها وتقوم هستيرياً بتنفيذ عقوبة اعدام بهذا الشخص؟ بالنسبة لنا هو تعبير عن فشل في مواكبة الدولة للمجتمع"

وتابع الأب الأنطوني: "لقد عملنا جاهدين من خلال مبادرتنا في الحملة الوطنية لإلغاء عقوبة الإعدام وقدمنا التماساً لتعديل هذا القانون. وقد تمكنا من الحصول على تواقيع 10 نواب على مشروع القانون الخاص بذلك لإلغاء حكم الإعدام. وحتى هذه اللحظة قدمنا للمجلس النيابي اللبناني 3 اقتراحات حول الغاء هذه العقوبة, ولم تعرض أي منها على اللجان المختصة ولا على الهيئة العامة".

وأضاف: "كلنا أمل في أن يعاد النظر بهذه المشاريع من قبل جميع الجهات الرسمية الفاعلة والتصويت على هذا المشروع لأنه قرار مجتمعي، ومجلس النواب يمثل المجتمع ويعبر عن آرائه وتطلعاته. ووفق الإحصاءات التي بين ديدينا، فإن المجتمع اللبناني بات اليوم حاضراً لإلغاء هذه العقوبة وبنسبة فاقت الـ60% تؤيد إلغاء الإعدام. وأنا أعتقد أنه من الواجب أن يوضح النواب موقفهم من المسألة قبل حلول موعد الإنتخابات النيابية القادمة".

من جهته، أعتبر عبد المنعم مسلّم – مصري (مدير وحدة الابحاث في المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة - القاهرة) قال: "بصفتي منسق ورشة العمل التي استمرت 3 أيام أقول أن غايتنا هي زيادة الوعي لدى القائمين على تطبيق العدالة فيما خص عقوبة الإعدام وتدريب القضاة والمحامين ونشطاء حقوق الانسان حول آليات ووسائل يمكن اتباعها لحد من هذه العقوبة مع الإصرار على حق الحياة كحق لا مساومة عليه. ونحن نستند على المواثيق الدولية لحقوق الانسان مثل الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي لحقوق السياسية والمدنية ثم البروتوكول الثاني الملحق للحقوق السياسية والمدنية واستناداً إلى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة لجهة نشر ثقافة التسامح والحد من العنف. وفي الحقيقة مشروعنا يعمل على مستوى اقليمي حيث هناك ورش تعقد فيتم اختيار دولة في كل مرة للمشاركة في هذه الفعاليات كي نصل الى مرحلة التبادل الحقيقي على مستوى الخبرات في هذا المجال.

ولفت مسلّم إلى وجود "حجج يتمسك بها دعاة الحفاظ على عقوبة الاعدام ومنها العودة الى عادات الثأر والإنتقام. وهذا يلقي بعبء حقيقي على المؤسسات الحقوقية التي عليها أن تعمل جاهدة على نشر ثقافة التسماح ومناهضة العنف والثأر وتعميم عقلية عدالة الانتقام. وكذلك للبرلمانيين الذين عليهم تشريع عقوبات بديلة للاعدام ولكن لا يكون القتل هو عقوبة للقتل سواء بالقانون او بخرق القانون، لأنّ المحصلة هي ذاتها أي زهق الأرواح البشرية. أن الشرع الاسلامي الحنيف وضع شروط واضحة لتطبيق عقوبة الاعدام وهو في جميع الاجوال لا يحبذها بل حث اولياء الدم على العفو والتسامح على اعتباره قربى لله لأن ذلك من عزم الأمور والتقى".

من جهته قال المحامي نبيل الحلبي - لبناني (وهو رئيس المؤسسة اللبنانية للديمقراطية وحقوق الانسان LIFE - بيروت) وكان من منظمي هذه الورشة, "أن هذا المؤتمر يأتي ضمن سياق سلسلة من ورش العمل التي بدأت منذا لعام 2010 على المستوى الإقليمي قام بها المركز العربي لاستقلال القضاء بالتعاون مع مؤسسة LIFE وبرعاية الاتحاد الاوروبي وكذلك بمواكبة من وزارة العدل ونقابة المحامين في بيروت بالاضافة الى نشطاء حقوقيين ومرشدين اجتماعيين مهتمين في هذا المجال". وأضاف: "ركزنا على ابراز النصائح والمقترحات في مجال العمل على تعديل قانون عقوبة الاعدام في لبنان والبلاد العربية والحد منها".

تابع: "خلال الأيام الثلاث من ورش العمل، كان هناك مداخلات في غاية الأهمية لتقديم عقوبات بديلة لعقوبة الاعدام وتشجيع الصلح فيما بين ذوي الضحية والجاني وفي موضوع الدية والعوض وهي تأتي كبدائل عن عقوبة الاعدام بما يرضي أهل الضحية من أجل تسهيل اصلاح الجاني واعادة دمجه في المجتمع. ونذكر أن هدفنا هو الحدّ من هذه العقوبة وليس الغاءها مع عدد كبير من الجرائم لا حاجة لوجود عقوبة الاعدام لها. فما نعمل له هو تشجيع القضاة على عدم اطلاق احكام الإعدام وعلى المدعين العامين عدم طلب هذه العقوبة وكذلك المحامين تقديم دفوع تستبعد هذه العقوبة من خلال المواثيق الدولية التي تمنع هذه العقوبة".

وعن الخطوات القادمة قال الحلبي: "سنرفع التوصيات لمعالي وزير العدل وللجنة العدل اللبنانية ولنقابة المحامين. ومن الممكن ان تشكل هذه التوصيات المرفوعة من هذه الورشة الإقليمية خارطة طريق لمن يريد تعديل التشريعات وقانون العقوبات في لبنان عبر ايجاد عقوبات بديلة. وأذكر أننا تطرقنا خلال الاجتماعات إلى دور الدين في هذه العقوبة وأن أحد رجال الدين ممّن شاركوا في اجتماعات اليوم الأول قدم مداخلة غاية في الأهمية, وذكر أن الشريعة الاسلامية تقر حد الإعدام للقاتل في 3 جرائم فقط ولكن ضمن شروط قاسية وصعبة التحقق لدرجة تقارب الإستحالة بمكان. كما أن الدين الاسلامي لطالما حض على الصلح والعفو والصفح وفضله على القصاص مع فتح باب التوبة خصوصاً أن هذه العقوبة كانت نادراً ما تطبق في التاريخ الإسلامي".

المرشدة الإجتماعية والمستشارة في مجلس النواب، مايا يموت قالت لموقعنا: "يجب أن يعلم الجميع من المسؤولين ومن عامة الشعب ومن الناشطين والمثقفين، أن المشنقة ليست لعبة يمكن اللجوء اليها كلما ضعفت هيبة الدولة. برأيي أن الدولة الفاعلة هي التي ترعى مصالح مواطنيها وتسهل حياتهم اليومية وتسهر على عدم تورطهم في الأعمال غير المشروعة قبل أن يصلوا الى نقطة اللاعودة. وفي رأيي أن عقوبة الإعدام هي انتقام الدولة من مواطنيها وأنا مع ازالتها كعقوبة من القوانين اللبنانية رويداً رويداً واستبدالها بعقوبات قادرة على تقديم فعالية أكبر وأنفع للمجتمع لأنّ الإعدام لا يردع عن الإجرام".

ولدى استفهامنا عن هذه العقوبات، أجابت: "العقوبات البديلة التي أقترحها تقوم على الاستفادة الإيجابية من المجرمين وليس استبدال عقوبة الاعدام مثلاً بالسجن المؤبد. ان المسجون خلال قضائه فترة عقوبته يكتسب المزيد من العادات الاجرامية من زملائه في السجن بدل أن يكون السجن مكان للاصلاح وللتقويم. لذا تأتي العقوبة الاجتماعية التي يمكن من خلالها أن يقوم المجرم بمنح وقته لصالح خدمة المجتمع ويوفر في الوقت عينه اموالاً طائلة تدفع من المجتمع نفسه. هل يجوز مثلاً أن أسجن شخص ارتكب جرماً، وأحرمه من تحصيل دخله، ويتعلم من السجن المزيد من الاساليب الجرمية، وأمنعه من أعالة عائلته، ومن ثم أقوم بدفع تكاليف بقائه في السجن طوال مدة عقوبته؟". وتابعت: "العقوبة الاجتماعية طبقت في العديد من دول العالم بنجاح، وغيّرت في عقلية المجتمع وثقافته, من عقلية جلّادين إلى عقلية اصلاحيين اجتماعيين".


مشاركة على:

اشترك بقائمتنا البريدية

اشترك بقائمتنا البريدية